أخبار وطنية عودة على 14 جانفي 2011 وما بعده... بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
نشر في 05 نوفمبر 2020 (10:35)
بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
الحقيقة وحدها ثوريّة (لينين)
المؤرخون لا يخجلون عندما يخطؤون ولا يترددون في تصحيح ما اعتقدوه حقيقة تاريخية لأنّ ما يقرّونه في كتاباتهم هو رهين الدعائم والمؤيدات المتوفرة لديهم حين انجازها.
يتوالى كشف أسرار ما حدث في تونس في 2011 خاصة بعد نشر مراسلات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلري كلنتون ومنذاك هبّ الكثيرون ليجدوا في ما أفشته تلك الوثائق وغيرها حجة أخرى على اعتبار ما جد في تونس بين 2010 و2011 هو مجرد مؤامرة أمريكيّة أونيط تطبيقها لتنظيم الإخوان المسلمين ولقطر كمموّل بالمال وداعم بالإعلام عبر قناة الجزيرة في اطار مشروع امريكي كبير لتغيير وجه الشرق الاوسط من الخليج الفارسي الى المحيط الأطلسي والتخلص من الأنظمة الحاكمة لأنها اضحت امّا غير قادرة على ضمان مصالح الأمريكيين أو أنها أصبحت مكروهة من شعوبها وقدّر أصحاب القرار الأمريكيّين أنّ البديل هو منح الحكم للإخوان المسلمين كتنظيم كان دائما منذ نشأته في 1928 في خدمة الإستعمار ورأوا فيه الأمثل لذلك لأنّ شعوب المنطقة لاتزال في اغلبها محافظة ومتدينة هذا اولا ولأن ثانيا تنظيم الاخوان المسلمين بفروعه ومنها جماعة النهضة بتونس قد التزموا بخدمة المشروع الأمريكي وربط العلاقات مع اسرائيل وحفظ امنها.
هذا فعلا وجه من الحقيقة كان غير جليّ تماما لنا (كفرد) وللكثيرين منّا عندما حاولنا فهم ما وقع وكنّا غافلين حقيقة على من كان يحرّك أصابع اللعبة من وراء شاشة قناة الجزيرة، حيث كان "ديكور" الحكم "الجديد" قد صِيغ بعدُ وأُعدّ من سيكون "رئيسا" و من سيكون المنتصر في الانتخابات ويحكم !!
هذا وجه من الحقيقة يتشبث به الكثيرون وزادت من قناعتهم في وجاهته ما آلت اليه اوضاع تونس بعد اجلاء بن علي عن الحكم ذات 14 جانفي 2011 وبتواطؤ من جهاز أمنه.
الوجه الآخر لما حدث منذ 2010 والذي يرفض ليس فقط موالو نظام بن علي الاعتراف به، هو أنه كانت هنالك داخليا ارادة و فعل حقيقيين من التونسيين للتخلص من النظام القائم، اي حكم بن علي البوليسي وحزبه "التجمع الدستوري الديمقراطي" وجدّت احداث سمّها ما شئت (ثورة، انتفاضة، احتجاجات...) شقت كل فئات المجتمع وخاصة أبناء المناطق المهمشة والمحرومة في الجهات وفي العاصمة وكان انفجار غضبها بالمظاهرات و الاحتجاجات و سد الطرقات و الاضرابات و الاعتصامات و التجمعات و الكتابات وتقديم الضحايا تمرّدا فعليا على نظام سمته "الاستبداد" و"حكم البوليس" و"الرشوة" و اطلاق العنان للمقربين لعائلات الفساد من اصهار الرئيس وغيرهم.
هذه كانت ارادة داخلية فعليّة من فئات واسعة من الشعب التونسي ومن مختلف جهات البلاد أملها تغيير حياتهم للأفضل تحت شعار "الحرية والكرامة".
اولئك الذين ملؤوا الشوارع والساحات وكانوا جنود التحركات ووقودها خاصة من الشباب لم يتحركوا بأوامر من المخابرات الأمريكية كما يدّعي البعض ولم يكونوا سذّجا غرّروا بهم. ومن عايش أحدث أواخر 2010 وبداية 2011 وارتسمت في ذاكرته صورة الناس المبتهجين بسقوط بن علي سيقر أن ما عرفته تونس لم يكن مؤامرة فقط، كان كذلك فعلا هبة شعبية من التونسيين لتغيير واقعهم للأفضل، فقط هذه "الثورة" وقع تحويل وجهتها واجهاضها. أجهضت ليس فقط من الفعل الخارجي (المؤامرة) بل كذلك لأنها كانت تفتقد لشروط النجاح أي القيادة والمشروع الواضح للتطبيق.
فعلا ما صارت عليه تونس بعد 2011 وطيلة العشر سنوات هذه من حكم الإخوان وتوابعهم "كرّه" الناس في "الثورة" وأصبح الكثيرون "يترحمون" على حكم بن علي، وهم معذورون في ذلك وربما نشاركهم شعورهم لأنّ "الثورة" وإن كانت فسحت مجالا واسعا للحريات وحتى المشاركة في الحياة السياسية فانّها أغرقت البلاد في الديون والافلاس وخاصة حولت حياة الناس جحيما بانتشار الفقر والخصاصة والبطالة والفساد وانعدام الأمن وخاصة انغراس الإرهاب فيه وحكم المافيات و الجهلة.
فقط تاريخ تونس لن يتوقف عند هذه الخيبات والقادم أحسن.